محمد العربي الخطابي

416

الأغذية والأدوية عند مؤلفي الغرب الإسلامي

في كمية الأقلّ وكان الأضعف كأنّك قلت حارّ في الدرجة الأولى والأقوى بارد في الدرجة الثالثة فإن الأحرّ هاهنا ليس يحطّ البارد في الثالثة إلى الثانية بل يحطّه عن الثالثة بمقدار وسط بين الثالثة والثانية ، والعلّة في هذا أجمع أنّ الدواء متى تضاعفت كمية الأقلّ تضاعفت كيفيته وخرج عن درجته في الحرارة والبرودة إلى درجة أخرى ، ولذلك متى شرب أحد من الدواء الذي في الدرجة الثالثة من الحرارة أو البرودة أضعاف كميته الأولى قتل - ضرورة - على جهة ما تفعل السّموم . وأما الأدوية المتجانسة القوى المختلفة المراتب في ذلك فإن القانون أيضا في ذلك أنّ الأنقص قوة يحطّ من الأقوى ، وقد أعطينا السّبب في ذلك لكن ينبغي أن يتصوّر هذا على الوجه الذي أقول : وذلك أنّا لما كانت الأدوية المتضادّة القوى إنما يحطّ بعضها من بعض بقدر ما فيها من تعادل التضادّ ، أعني - مثلا - أن الدواء البارد في الأقلّ إنّما يحطّ من الثاني في الحرارة بقدر ما تزيّدت فيها البرودة - وهي درجة واحدة - فالواجب أيضا في الأدوية المتجانسة القوى أن يحطّ الأضعف منها من الأقوى بمقدار ما نسبته الضدّ ، فالدواء الأضعف إلى ضدّه أعظم نسبة منه في الدواء الأقوى ، مثال ذلك : أن الحارّ في الدرجة الأولى البارد فيه أعظم نسبة إلى الحارّ منه في الدواء الحارّ في الدرجة الثانية ، وفي الثالثة أصغر منه في الثانية . وإذا كان ذلك كذلك فالدواء المعتدل في الأدوية المتجانسة القوى هو أقرب المراتب في أن يحطّ ما فوقه إذ كانت نسبة التضادّ فيه تقرب من أن تكون بنسبة تعادل ، ثم بعده ما كان في الدرجة الأولى ثم في الثانية ثم في الثالثة . مثال ذلك : أنا متى خلطنا دواء معتدلا مع حارّ في الدرجة الثانية فإنّه ليس في قوّته أن يصرفه إلى الدرجة الأولى لأنّ الذي يفعل ذلك إنّما هو البارد في الأولى لكن أقلّ مما يحطّ المعتدل إذ كان الدواء الحارّ في الأولى نسبة البارد فيه إلى الحارّ أصغر نسبة منها إلى المعتدل ، كما أن نسبته في المعتدل أصغر من نسبته في البارد في الأولى ، ولذلك لم يمكن في الدواء المعتدل أن يحطّ من الحارّ - مثلا - في الثانية مثل ما حطّ البارد في الأولى ، ولا يمكن أيضا الحارّ في الأولى أن يحطّ من الحارّ في الثانية كما يحط المعتدل ، ولا يمكن أيضا أن يحطّ الحارّ في الثانية من الحارّ في الثالثة مثل ما يحطّ الحارّ في الأولى ، وأكثر من ذلك المعتدل أو البارد في الأولى ، لكن إنّما يكون هذا كلّه بعد أن يحتفظ بتساوي الكميات - أعني تساوي القوّة - وهذا كلّه ، إذن ، تأويل بيّن بنفسه ، ولجهل